السياسة الوطنية للغة العربية في السعودية
المقدمة:
يتجلى الاهتمام التاريخي باللغة العربية في المملكة منذ لحظة التوحيد، ويأتي تأكيده في المادة (الأولى) من النظام الأساسي للحكم، الصادر بالأمر الملكي رقم (أ/٩٠) وتاريخ ١٤١٢/٨/٢٧هـ، المتضمنة أن «المملكة العربية السعودية، دولة عربية إسلامية، ذات سيادة تامة، دينها الإسلام، ودستورها كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ولغتها هي اللغة العربية، وعاصمتها مدينة الرياض». وهذا فيه تأكيد واضح على أن العربية ركيزة أساس في الهوية الوطنية السعودية.
وقد نص الأمر الملكي الكريم رقم (٢٧١٦) وتاريخ ١٣٥١/٥/١٧هـ، الصادر من الملك المؤسس -طيب الله ثراه- في مادته (الأولى) على أن «يُحوّل اسم «المملكة الحجازية النجدية وملحقاتها» إلى اسم «المملكة العربية السعودية»، ويصبح لقبنا بعد الآن «ملك المملكة العربية السعودية»». وهذا فيه تأكيد واضح من المؤسس على أن تكون العربية هي الوصف الأول للمملكة.
وتتابعت أعمال ومبادرات ومشروعات المملكة في دعم اللغة العربية وتمكينها وتعزيز مكانتها محلياً ودولياً عبر صور شتى، للمساهمة في تعزيز دور اللغة العربية إقليمياً وعالمياً، وإبراز قيمتها المعبّرة عن العمق اللغوي للثقافة العربية والإسلامية.
وحين النظر إلى الجانب التشريعي في المملكة تتجلى العناية باللغة العربية في العديد من الأنظمة والقرارات الصادرة في مختلف الجوانب، ومنها:
1- الإرادة الملكية رقم (٥٦٠٤/٢٠/٨) وتاريخ ١٣٧٤/٢/٢٢هـ، بشأن نظام الجنسية العربية السعودية، إذ نص على اشتراط إجادة من يُمنح الجنسية اللغةَ العربية.
2- قرار مجلس الوزراء رقم (٢٦٦) وتاريخ ١٣٩٨/٢/٢١هـ، القاضي بأن على الشركات والمؤسسات الأجنبية وفروعها ومكاتبها العاملة على إقليم المملكة العربية السعودية استعمال اللغة العربية في مراسلاتها مع الجهات الحكومية، ومعاقبة المخالفين.
3- الأمر السامي رقم (٣/ح/١٥٣٥١) وتاريخ ١٤٠٠/٦/٢٠هـ، بشأن التأكيد على قرار مجلس الوزراء رقم (٢٦٦) وتاريخ ١٣٩٨/٢/٢١هـ، والتأكيد على التزام الجهات الحكومية والشركات المملوكة للدولة باستعمال اللغة العربية في مراسلاتها وفي تحرير العقود ومرفقاتها ووثائقها المختلفة التي تتم بين هذه الجهات والشركات والمؤسسات الأجنبية.
4- الأمر السامي رقم (٧ /١٧٢٤/م) وتاريخ ١٤٠٨/٩/١٠هـ، المتضمن التأكيد على الالتزام بقواعد اللغة العربية في جميع الاستعمالات.
5- الأمر السامي رقم (٤٢٨٠٨) وتاريخ ١٤٣٣/٩/١٨هـ، بشأن أن تضمن الجهات الحكومية التي تعقد اتفاقيات أو مذكرات تفاهم مع دول أخرى من لغتين إحداهما العربية تلك الاتفاقيات أو المذكرات نصّاً يفيد بمساواة اللغة العربية للغة الأخرى في الحجية. وأُكد بالأمر السامي رقم (٥١٧٩٥) وتاريخ ١٤٤٥/٧/١٦هـ.
وينحو نحو هذه الأدوات قرارات صادرة لتعزيز استعمال اللغة العربية في سياق العمل، والإعلام، والتجارة، والقضاء، والمعارض، وغيرها، وقد بلغ عددها أكثر من (مئتي) قرار.
وتأتي هذه السياسة لتكون مظلة عامة تمثل الموجهات الرئيسة والمبادئ العامة والمنطلقات الأساس تجاه اللغة العربية، بما يعزز مكانتها ويرسخ فاعليتها الحضارية والتنموية، اتساقاً مع الدور الجوهري والرئيس للمملكة في الحفاظ على الثقافة والهوية العربيتين والإسلاميتين، ومركزيتيهما العالميتين.
أولاً: مصطلحات السياسة:
- السياسة: السياسة الوطنية للغة العربية في المملكة العربية السعودية.
- المجمع: مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية.
- الجهات العامة: الوزارات والهيئات والمؤسسات العامة والصناديق وما في حكمها، والجهات المستقلة ذات الشخصية المعنوية العامة.
ثانياً: نطاق تطبيق السياسة:
تطبق هذه السياسة في المجالات العامة كافة في المملكة.
ثالثاً: الهدف من السياسة:
جمع الرؤى العامة والمنطلقات التي تمثل توجه المملكة في شأن اللغة العربية، من أجل ما يأتي:
1- تعزيز ريادة المملكة في الحفاظ على اللغة العربية؛ بوصفها المرجعية العالمية في اللغة العربية، وموطن العربية الأول.
2- زيادة تمكين اللغة العربية وتعزيز مكانتها في المجتمع؛ بوصفها مكوناً رئيساً للهوية الوطنية السعودية.
3- ترسيخ الفاعلية الحضارية للغة العربية وإسهاماتها التنموية، وتعزيز استخدامها في الجهات العامة والقطاعين الخاص وغير الربحي.
4- زيادة جاذبية البيئة السعودية للراغبين في تعلم اللغة العربية، والاطلاع على ثقافتها وإرثها الحضاري.
5- تمكين استعمال اللغة العربية في مجالات الحياة المتعددة.
رابعاً: منطلقات تأصيلية:
1- اللغة سيادة:
اللغة وسيلة مهمة من وسائل السيادة والوحدة الوطنية، وهي الأداة التي يتواصل بها أبناء الدولة الواحدة، وتتواصل بها الدولة مع فئات المجتمع. ولذا، فإن بناء ثقافة المجتمع واتجاهاته معقود بناصية اللغة.
2- اللغة استقلال:
اللغة هي عنصر التميز الذي تستقل به كل أمة عن غيرها. والاستقلال اللغوي ركيزة أساس في الاستقلال الثقافي والحضاري والقومي.
3- اللغة أمنٌ ثقافي:
الأساس اللغوي من أهم الأسس التي تقوم عليها الحضارات والثقافات، وتبنى عليه هوية الأفراد والأمم. وقد كانت الأمم والدول واعية بهذا الأساس، ومدركة لتحدياته، فعملت -منذ وقتٍ مبكر- على سنّ الأنظمة وإصدار القرارات وبناء السياسات اللغوية التي تحفظ للشعوب هويتها، وتعزّز تميّزها، وتُعلي مكانتها؛ للحفاظ على بقاء اللسان، واستقلالية الإنسان، بما يملك من إرثٍ حضاريّ معرفيٍّ. وتُمثّل اللغة ركناً من أهم أركان الدولة والمجتمع أمنيّاً وثقافيّاً واقتصاديّاً واجتماعيّاً.
4- اللغة هوية:
اللغة هي وعاء الثقافة، وحاضن الحضارة، والمكون الرئيس للهوية الوطنية. وتتأكد الهوية اللغوية العربية للمملكة بأنها منبع العربية، وعمقها التاريخي والحضاري.
5- اللغة مركزية لدى الأطفال:
اللغة عامل رئيس مؤثّر في تشكيل هوية الطفل، ووعيه بذاته، وانتمائه، وتاريخه، وثقافته، ووطنه، واتجاه تطلّعاته في المستقبل. وترتبط مرحلة الاكتساب اللغوي في الطفولة -بما فيها من محمولاتٍ دينيةٍ، وثقافيةٍ، واجتماعيةٍ، وفكريةٍ- بتشكيل مستقبل هوية المجتمع بأكمله. ولذا، فإن اللغة مكون مركزي لدى الصغار تتشكل انعكاساته على كل الأجيال.
خامساً: مبادئ السياسة:
تقوم السياسة على المبادئ التالية:
الأول: اللغة العربية هي اللغة الرسمية للمملكة:
المملكة هي موطن اللغة العربية الأول واللغة حاضن ثقافتها ومصدر حضارتها. وتنعكس رسمية اللغة العربية على مناحي الحياة كافة. وتعمل الجهات العامة على استعمالها في جميع أعمالها، مع إمكان استعمال لغة أخرى معها إذا دعت الحاجة إلى ذلك. ويعمل القطاعان الخاص وغير الربحي على استعمالها في التواصل مع الآخرين من جهات وأفراد، مع مراعاة ما نصت عليه الأنظمة الأخرى. ويتولى المجمع إصدار أدلة إرشادية لتعزيز حضورها في المجتمع.
الثاني: تعزيز مكانة اللغة العربية في التعليم:
انطلاقاً من محورية التعليم في تشكيل الهوية والثقافة والحضارة، فإن الأصل هو استخدام اللغة العربية للتعليم بها، في المراحل الدراسية كافة، بما يمكّن المتعلمين من اكتساب الاتجاهات والمعارف والمهارات اللغوية على نحو سليم، واكتساب ثقافة اللغة العربية وتراثها الفكري والحضاري.
الثالث: تعزيز حضور اللغة العربية في المشهد اللغوي:
تحرص الجهات العامة والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي على استعمال اللغة العربية في المشهد العام، كالعقود والشهادات والأوسمة واللوحات الإرشادية والتجارية والفواتير والدعايات وأسماء الأماكن وأسماء المبادرات، والمؤتمرات، والندوات، ونحوها.
الرابع: تمكين حضور اللغة العربية في البحث العلمي:
تعمل المؤسسات البحثية والعلمية والجامعات على تعزيز حضور اللغة العربية في البحث العلمي عن طريق البحث في علوم اللغة، وعلاقات اللغة بشتى مناحي الحياة واحتياجات المجتمع، وتفعيل الدراسات البينية ذات الصلة، مع تنمية النشر العلمي باللغة العربية للبحوث العلمية في التخصصات كافة، بما يسهم في ترسيخ تفاعلها الحضاري والعلمي في مختلف المجالات.
الخامس: إبراز اللغة العربية في الإعلام:
تبرز المؤسسات الإعلامية اللغة العربية بالصورة المناسبة لها في الوسائل الإعلامية كافة، وبتوفير المواد الإعلامية بها أو بالترجمة إليها؛ مما يسهم في تمكين استخدامها الاستخدام السليم بتنوعاتها، ويعكس الهوية اللغوية العربية السعودية.
السادس: ترسيخ استعمال اللغة العربية في مجال الأعمال:
تمكّن الجهات العامة والخاصة وغير الربحية حضور اللغة العربية في مجال الأعمال، وتستخدمها بالصورة اللائقة بها في الجانب الإداري والمراسلات والتواصل والتوظيف وغير ذلك.
ويكون تعزيزها في مجال الأعمال عن طريق تفعيل منافذ الاستثمار اللغوي وتقديم الأعمال والمبادرات اللغوية العربية ذات المردود الاقتصادي.
السابع: تفعيل حضور اللغة العربية في الجانب الدولي:
تحرص الجهات العامة على تفعيل حضور اللغة العربية واستخدامها في سياقات التواصل الدولي (مثل اللقاءات الرسمية والمؤتمرات والندوات والمحافل الدولية والاجتماعات داخل المملكة وخارجها). وإذا اقتضت الحاجة استعمال لغة أخرى فتوفَّر ترجمة إليها.
الثامن: تعزيز حضور اللغة العربية في المجال الثقافي والفني:
تتبنّى الجهات الثقافية والفنية تعزيز حضور اللغة العربية في أنشطتها وأعمالها ومنتجاتها، بوصفها ركيزة أساساً من ركائز الهوية الوطنية السعودية.